العراقيون وفضيلة “العيش في الحقيقة”

“الصفقة” التي اعتمدها البرلمان العراقي في الأسبوع الماضي (أربعة نواب لرئيس الحكومة و12 وزيراً، واستحداث ثلاث وزارات جديدة) أتاحت للمليشيات التي يفترض أنها تخلت عن أسلحتها الهيمنة على القرار السياسي، وهي لم تخرج من الباب لتدخل من الشباك كما يحدث عادة في مثل هذه الحالة، إنما ما حدث هو العكس، إذ خرجت من الشباك لتدخل من الباب العريض لتستقر في قلب العملية السياسية القائمة، حيث حصلت على موقع “نائب رئيس”، وعلى وزارات عدة، ما يعني نجاحها في تطويق رئيس الحكومة علي الزيدي، والعمل على إفشال برنامجه الإصلاحي الذي وعد بتنفيذه، حيث سيكون بإمكانها التأثير على القرارات التي يتخذها، وفرض إرادتها، ولن يكون باستطاعته تفكيكها على نحو كامل كما وعد، ولا إكمال “صولة الفجر” أو الاقتصاص من “حيتان” الفساد الكبار، وستسعى، على وفق ما هو متوقع، إلى كسر قواعد الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية والعالم التي يريدها الزيدي، وأيضاً إلى غرز العصي في خطط التنمية والإعمار وورشات العمل إذا لم تتوافق مع ما رسمته إيران للعراق، كما ستعمل على عرقلة النمو الذي شهدته علاقات العراق مع جيرانه وأصدقائه، ما دامت طهران ترى أن تلك العلاقات لا تحقق مصالحها.
يظل ثمة ما هو لافت عبر هذه “الصفقة” من مفارقات كشفت عن بعض ما تخطّط له تلك المليشيات، فقد امتنع بعضها عن تسليم السلاح الثقيل والمتوسط الذي تمتلكه، بما فيه من المسيرات والصواريخ، والاكتفاء بتسليم الأسلحة الخفيفة، ما يعني أنها تريد الاحتفاظ بالقرش الأبيض، لتستخدمه في يومها الأسود، كما حاول بعضهم تأليب الشارع ضد الزيدي، والتنصل من موافقتهم المسبقة على رفع سعر الدولار (تردد أن بعض من عرف مسبقاً بالتسعيرة الجديدة للدولار أقدم على شراء كمية منه قبل الإعلان الرسمي تقدر بمئتي مليون دولار يقال إنها اصبحت فيما بعد بيد الحرس الثوري الإيراني).
وما هو معروف أيضاً أن أسماء بعض من استوزر أخيراً مدرجة على لائحة الإرهاب، ومن غير المعروف كيف ستعالج هذه المسألة من قبل رئيس الحكومة الذي لم يكن راضياً عنها. جاءت المفارقة الأخطر بعد ساعات من عقد الصفقة، إذ أطلق زعيم كتائب سيد الشهداء أبو ولاء الولائي تغريدة كشف فيها عن إصرار المليشيا التي يتزعمها على القتال دفاعاً عن إيران إذا تعرّض وجودها للخطر، كما نشر زعيم كتائب حزب الله أبو مجاهد العساف بياناً هاجم فيه الزيدي، ودعا إلى “تعيين يوم من أيام السنة لحرق العلمين الأميركي والإسرائيلي وسحقهما”، والى “إجراءات لتخفيف الحصار الأميركي على إيران”، كما دعا الحكومة إلى إدانة “جرائم السعودية ضد الحوثيين”!
