المجتمع والناسالواقع الخدمي

ثلاث سنوات من أزمة التمويل.. صحة الأنبار تحذر من تداعيات على الخدمات

تواجه المؤسسات الصحية في الأنبار ضغوطا مالية متزايدة، مع تراجع قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية من الأدوية والمستلزمات وتراكم الالتزامات المالية، فيما تحذر دائرة صحة المحافظة من استمرار أزمة التمويل منذ نحو ثلاث سنوات وانعكاسها على استمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويقول مدير إعلام صحة الأنبار، محمد القيسي، في حديثه لـ«المدى»، إن «الدائرة تعاني من انعدام التمويل والتخصيصات وتراكم الديون»، مبينا أن «هذا الوضع مستمر منذ نحو ثلاث سنوات». وعن حجم العجز المالي، يشير القيسي إلى أنه «من مجموع ثمانية أشهر من هذه السنة، استلمنا تخصيصات شهرين فقط».
وبالتزامن مع تحذيرات دائرة الصحة، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مناشدات لمواطنين بشأن واقع الخدمات الصحية في مستشفى النسائية والأطفال في الأنبار، تحدثت عن نقص بعض العلاجات والمستلزمات الطبية، فضلا عن اضطرار المرضى إلى شراء تجهيزات وأدوات طبية من خارج المستشفى.
وأشارت إحدى المناشدات إلى نقص إبر خاصة بعلاج حالات نزف الدم الوراثي، موضحة أن سعر الإبرة في السوق يصل، بحسب صاحب المناشدة، إلى نحو 300 دولار، بعدما كانت متوفرة مجانا في المستشفى.
كما تضمنت المناشدة انتقادات لاضطرار المرضى إلى شراء بعض المستلزمات والتجهيزات الطبية اللازمة لإجراء العمليات، إلى جانب الحديث عن نقص الأدوية وتردي مستوى النظافة داخل المستشفى.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحذر فيه دائرة صحة الأنبار من أن أزمة التمويل بدأت تنعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات الصحية على تأمين احتياجاتها الأساسية، بما يحمل المرضى أعباء إضافية.
من جانبه، يقول المتخصص في الشأن الاقتصادي ضياء المحسن، خلال حديثه لـ«المدى»، إن «مجلس الوزراء سبق أن قرر في آذار 2026 استمرار وزارة النفط بتجهيز المؤسسات الحكومية بالوقود والزيوت بالدفع الآجل، مع قيام وزارة المالية بتسديد المستحقات»، مضيفا أن «صدور قرار معاكس الآن يمثل تراجعا عن معالجة مؤقتة سابقة، ويحتاج إلى توضيح رسمي يحدد تاريخ النفاذ والمؤسسات المشمولة، ولا سيما المستشفيات».
ويشير المحسن إلى أن «أزمة التمويل ترتبط بخمسة عوامل مترابطة، أولها أن وجود تخصيصات في الموازنة لا يعني وصول النقد فعليا، إذ أصبحت المشكلة مرتبطة بالتمويل والإطلاقات والصرف، وليس بالأرقام المدرجة فقط»، مضيفا أن «إعطاء الأولوية للرواتب جاء على حساب النفقات التشغيلية، مثل الأدوية والوقود والصيانة والنظافة والمستلزمات المختبرية، فضلا عن انتهاء مفعول الموازنة الثلاثية 2023–2025 وعدم إقرار موازنة 2026، ما أضعف الغطاء القانوني لبعض أبواب الصرف».
وفي ما يتعلق بمركزية الإيرادات، يقول المحسن إن «المؤسسة الصحية تجبي أموالا لكنها لا تستطيع الاحتفاظ بها أو استخدامها مباشرة، فتذهب إلى الخزينة ثم تنتظر تمويلا جديدا، إلى جانب تراكم الديون على المستشفيات، الأمر الذي دفع بعض المجهزين إلى اشتراط الدفع النقدي أو رفع الأسعار لتعويض مخاطر التأخير». ويبين أن «الأزمة ليست لأن الصحة خدمة قابلة للإيقاف، بل لأن النظام المالي العراقي لم يمنحها صفة الخدمة ذات الأولوية السيادية التي تمول تلقائيا قبل كثير من أوجه الإنفاق الأقل إلحاحا».
وبشأن تداعيات إيقاف تجهيز الوقود بالأجل، يوضح المحسن أن الوقود في المستشفى «ليس نفقة ثانوية، إنه مدخل مباشر لإنتاج الخدمة الصحية»، إذ تعتمد عليه المولدات وسيارات الإسعاف والتبريد ومخازن الأدوية وبعض منظومات الأوكسجين والغسيل والتعقيم.
ويحذر من أن «توقف التجهيز يؤدي إلى تقليص ساعات تشغيل المولدات، وتعريض العمليات والعناية المركزة والمختبرات للخطر»، مضيفا أن «تقليص ساعات التشغيل سوف يؤدي إلى تلف الأدوية واللقاحات والدم المحفوظ في حال حصول أي خلل في سلسلة التبريد».
ويبين أن «نقص الوقود يؤدي إلى تباطؤ سيارات الإسعاف والنقل الصحي، وتأجيل العمليات والفحوصات وصيانة الأجهزة، واضطرار المؤسسات إلى شراء الوقود من السوق نقدا وبأسعار أعلى»، مضيفا أن «الأزمة قد تدفع المرضى إلى الانتقال نحو مستشفيات أخرى، ما يزيد الاكتظاظ والضغط على المؤسسات المركزية، بالتزامن مع تراكم ديون جديدة على المستشفيات واحتمال امتناع بعض الموردين عن التعامل معها».
ويقول المحسن إن «هناك مفارقة مالية، إذ قد توفر وزارة النفط سيولة قصيرة الأجل من خلال إيقاف البيع بالدين، لكن الدولة ككل قد تتحمل لاحقا تكلفة صحية واجتماعية أكبر».
وعن الحلول، يقترح المحسن إنشاء نظام «الإيراد المخصص» أو «الحساب الدوار الصحي»، بحيث تودع جميع الإيرادات رسميا وتسجل إلكترونيا ضمن حساب الخزينة، ثم يعاد تلقائيا جزء محدد منها إلى المؤسسة التي حققتها، على أن تخصص هذه النسبة حصرا للأدوية المنقذة للحياة والوقود والصيانة والمستلزمات، مع تخصيص جزء آخر لصندوق تضامن صحي لدعم المستشفيات التي لا تحقق إيرادات كافية.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الفورية، يقترح أن «يصدر قرار من مجلس الوزراء بتمويل طارئ لمدة ثلاثة أشهر، يتضمن استمرار تجهيز المؤسسات الصحية بالوقود بالأجل أو عينيا، مع ضمان وزارة المالية تسديد المستحقات مباشرة إلى وزارة النفط»، إلى جانب «إطلاق سلفة تشغيلية طارئة لدوائر الصحة مخصصة للوقود والأدوية والطوارئ والصيانة، وفتح حساب تشغيلي محمي لكل دائرة صحة تغذيه نسبة من إيراداتها ولا يجوز تحويله إلى الرواتب أو الإنفاق الإداري».
ويشير إلى أن «تسديد جزء فوري من ديون المجهزين سيضمن استئناف التوريد، وتشكيل لجنة مالية وصحية ونفطية تنشر بصورة أسبوعية بيانات عن كميات الوقود والتمويل والديون والمخزون الدوائي»، مضيفا أن «الحل الدائم يجب أن يتضمن إدراج باب ثابت في الموازنة تحت مسمى «النفقات الصحية الحاكمة»، يطلق شهريا بصورة تلقائية ولا يخضع لتعطل بقية أبواب الموازنة».
ويضيف المحسن أنه «لا يجوز إدارة المستشفى بمنطق لا توجد تخصيصات فتتوقف الخدمة»، داعيا إلى «تمويل جسري فوري يضمن الوقود والأدوية، بالتوازي مع إصلاح مالي يسمح بعودة جزء من الإيرادات إلى المؤسسة الصحية». من جانبه، يقول الناشط المدني إسماعيل كرم، خلال حديثه لـ«المدى»، إن «تأثير نقص التمويل والأدوية لا يقتصر على نقص بعض المستلزمات، بل يمتد إلى جوانب متعددة من البيئة الصحية داخل المستشفيات»، مضيفا أن «المريض يواجه، إلى جانب مرضه، مشكلات تتعلق بالمعدات الطبية والأسرة والأبنية والأجهزة».
ويشير كرم إلى وجود مشكلات تتعلق بعدد من الأجهزة، من بينها أجهزة التصوير وعربات التخدير وأجهزة التهوية المستخدمة في حالات الطوارئ، فضلا عن أجهزة قياس ضغط العين وقوة العدسة، مبينا أن «القاسم المشترك بين عدد من هذه الأجهزة هو قدمها»، وأن «بعضها يعود إلى عقود سابقة ولا يواكب التطور التقني المطلوب في المؤسسات الصحية الحديثة».
ويضيف أن «الاعتماد على أسطوانات الأوكسجين أصبح أمرا غير معمول به في أغلب دول العالم، ويجب التحول إلى أنظمة أوكسجين مركزية تصل إلى الأسرة والغرف»، مشيرا إلى أن «بعض المؤسسات الصحية تواجه مشكلات حتى مع توفر الأدوية بسبب عدم توفر مخازن حديثة وكافية، ما قد يؤدي إلى تلف بعض الأدوية».
وفي ما يخص اضطرار المواطنين إلى شراء الأدوية والمستلزمات من خارج المؤسسات الصحية، يقول كرم إن «النسب تتفاوت، لكن الحالة بصورة عامة سيئة، لأن الأصل ألا يضطر المواطن إلى شراء المستلزمات التي يفترض أن توفرها المؤسسة الصحية»، مشيرا إلى أن «الأمر لا يقتصر على المستشفيات، بل يمتد إلى المراكز الصحية والمستوصفات»، وأنه صادف حالات اضطر فيها المواطن إلى شراء أدوات بسيطة مثل القناني الوريدية أو القفازات الطبية.
ويبين أن «وصول النقص إلى أدوات أساسية تستخدمها المؤسسة الصحية نفسها يعكس حجم المشكلة»، لافتا إلى أن «هذه النواقص تزيد العبء المالي على المواطنين وتنعكس سلبا على أوضاعهم الاقتصادية».
ويتابع كرم أن «الموازنة تخصص أموالا للقطاع الصحي، وإنفاقها في المواقع الصحيحة يمكن أن يوفر قدرا أكبر من الاكتفاء للمواطن»، مبينا أن «استمرار المشكلة لسنوات طويلة يشير إلى وجود خلل إداري يتجاوز أزمة السنوات الثلاث الأخيرة».
وعن الأمراض التي تتطلب أدوية باهظة الثمن أو استيراد علاجات من الخارج، يقول كرم إن «العراق بحاجة إلى بناء شراكات اقتصادية وسياسية في المجال الصحي لتوفير هذه الأدوية بكميات أكبر وكلفة أقل»، مضيفا أن «مرض ضمور العضلات الشوكي تصل كلفة علاجه إلى أكثر من مليون دولار»، وأن «الاعتماد على المناشدات الإنسانية للحصول على العلاج لا يمثل حلا مستداما».
وعن الحلول، يرى كرم أنه «يجب إعادة تشغيل مصانع الأدوية وتطوير الصناعة الطبية المحلية، بما يسهم في بناء تراكم معرفي وإداري وطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد»، إلى جانب «تسهيل الإجراءات البيروقراطية أمام الشركات العراقية الناشئة العاملة في مجال تصنيع المعدات الطبية، وتوفير الحماية التجارية لها، بالتزامن مع تشديد الرقابة على الإنفاق والعقود الحكومية».
كما يشير إلى أن «استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحد من التلاعب والاحتيال والهدر المالي، وربط عمليات الشراء والتجهيز والمخزون بأنظمة إلكترونية أكثر شفافية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *